في 2017 أثار تقرير أممي ضجة لأنه هاجم واحدة من أكثر الجمل تكراراً في الزراعة الصناعية: «من دون المبيدات لن نستطيع إطعام العالم».
مرّت سنوات، لكن السؤال لم يختفِ. بالعكس، أصبح أكبر: كيف ننتج غذاءً كافياً من دون تحويل المزارع والأنهار والتربة والحشرات والعمال إلى ثمن مخفي للإنتاج؟
ما هو التقرير بالضبط؟
الوثيقة هي تقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في الغذاء، أُعد بالتعاون مع المقرر الخاص المعني بالمواد والنفايات الخطرة، وحملت الرمز A/HRC/34/48 وصدر في يناير/كانون الثاني 2017.
التقرير وصف المبيدات بأنها قضية حقوق إنسان عالمية، وذكر تقديراً بنحو 200 ألف وفاة سنوياً بسبب التسمم الحاد بالمبيدات، مع وقوع 99% منها في البلدان النامية وفق المصادر التي اعتمد عليها التقرير وقتها. كما شدد على تعرض عمال الزراعة والأطفال والحوامل والمجتمعات الزراعية لمخاطر خاصة. المصدر الرسمي للأمم المتحدة، والنسخة العربية متاحة.
لكن أين كانت «الخرافة»؟
الهجوم الأساسي كان على فكرة أن زيادة استخدام المبيدات هي الطريق الضروري لإنهاء الجوع. التقرير لفت إلى أن الجوع لا ينتج ببساطة عن أن العالم «لا ينتج ما يكفي»، بل يرتبط أيضاً بالفقر وعدم المساواة والوصول إلى الغذاء وتوزيعه وهدره.
وهذا فرق مهم جداً: إذا كانت المشكلة الاجتماعية والسياسية في من يستطيع شراء الغذاء والوصول إليه، فإن رش مزيد من المواد الكيميائية لا يحل تلقائياً المشكلة التي ندعي أننا نرش من أجلها.
ماذا أوصى التقرير؟
- تقليل الاعتماد على المبيدات شديدة الخطورة والتخلص التدريجي منها.
- تقييم المخاطر باستقلال وشفافية أكبر.
- النظر أولاً في البدائل غير الكيميائية قبل تسجيل المواد الكيميائية عندما توجد حاجة يمكن إثباتها.
- حماية الفئات الأكثر تعرضاً، خصوصاً العمال والأطفال والحوامل.
- دعم الزراعة المستدامة والإدارة المتكاملة للآفات.
هذه ليست قراءة إعلامية للتقرير. التوصية بالنظر إلى البدائل غير الكيميائية أولاً موجودة في نص الوثيقة نفسها.

وبعد 2017؟ FAO نفسها تتحدث عن تقليل الاعتماد
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO تشرح اليوم أن الإفراط في الاعتماد على المبيدات يخل بالتوازن الطبيعي للنظام الزراعي ويساهم في دورة مقاومة الآفات، ما قد يؤدي إلى استخدام مبيدات أكثر مع تغير محدود في خسائر المحاصيل.
وفي مبادئ الإدارة المتكاملة للآفات IPM توصي FAO بالبدء بالوقاية: أصناف مقاومة، دورات زراعية، زراعة مختلطة، توقيت مناسب، إدارة الحشائش، والاستفادة من الأعداء الطبيعيين للآفات، ثم استخدام المبيدات عندما لا تكون البدائل الفعالة متاحة. المصدر: FAO.
في 2025: بدائل عملية لآفات عالمية كبرى
في مايو/أيار 2025 أصدرت FAO بالتعاون مع الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية إرشادات لإدارة ثمانية من الآفات والأمراض الزراعية ذات الأولوية. الحلول المقترحة لم تكن «رش أكثر» فقط، بل شملت:
- تحسين الممارسات الزراعية والنظافة الحقلية.
- أصناف مقاومة.
- المكافحة الحيوية.
- مبيدات حيوية.
- تقنيات وراثية وانتخابية حديثة.
- أنظمة إنذار رقمية وروبوتات وأدوات دقيقة.
هذا هو النقاش الذي يستحق أن يدور: ليس «كيمياء أم مجاعة»، بل أي مجموعة أدوات تعطينا غذاءً مع أقل ضرر ممكن.

والعالم نفسه رفع مستوى الطموح
في 2023 اعتمد المجتمع الدولي الإطار العالمي للمواد الكيميائية Global Framework on Chemicals. ومن أهدافه وقف استخدام المبيدات شديدة الخطورة في الزراعة تدريجياً بحلول 2035 حيث تُدار المخاطر بشكل أفضل وتتوفر بدائل أكثر أماناً. في 2026 أصبح لهذا الإطار تحالف عالمي خاص بالمبيدات شديدة الخطورة.
يعني حتى على مستوى السياسات الدولية لم يعد السؤال: «هل نقبل الضرر لأنه ثمن الزراعة؟». الاتجاه هو: كيف نقلل الضرر ونغيّر النظام؟ المصدر: UNEP.

النباتية ليست دفاعاً عن كل شكل من أشكال الزراعة النباتية
وهذه نقطة مهمة جداً لموقع نباتي: رفض استغلال الحيوانات لا يعني أننا نصفق لأي نظام زراعي لمجرد أن المنتج النهائي نبات.
الزراعة التي تلوث المياه وتضر العمال والملقحات والتنوع الحيوي تحتاج نقداً أيضاً. النباتية الأخلاقية الأقوى لا تقول «النباتات مثالية». تقول: نستطيع أن نبني نظاماً غذائياً يحتاج حيوانات أقل، أرضاً أقل لإنتاج الأعلاف، ويضغط في الوقت نفسه باتجاه زراعة نباتية أفضل وأكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على المواد عالية الخطورة.
وهنا تظهر مشكلة تربية الحيوانات مرة أخرى
جزء ضخم من المحاصيل العالمية لا يصل إلى طبق الإنسان مباشرة، بل يمر أولاً عبر الحيوانات كعلف. عندما نستخدم الأرض لزراعة محاصيل كي نطعم بها حيواناً ثم نستهلك جزءاً من جسمه أو إفرازاته، نحن نضيف مرحلة كاملة من الطلب الزراعي.
لذلك تقليل المنتجات الحيوانية لا يحل وحده مشكلة المبيدات، لكنه يساعد على فتح مساحة لنظام أقل ضغطاً على الأرض وأكثر مباشرة في استخدام المحاصيل لإطعام البشر.
هل العضوي وحده هو الحل؟
ليس بهذه البساطة. الزراعة العضوية لها قواعد مختلفة وتمنع أو تقيد مواد كثيرة، لكنها قد تستخدم مبيدات مسموحة أيضاً. القضية الأهم هي الضرر الفعلي، الكمية، السمية، طريقة الاستخدام، التنوع الزراعي، وصحة النظام البيئي، لا مجرد ملصق تسويقي.
السؤال الذي يجب أن نسأله
بدل أن نسأل: «كيف ننتج أكبر كمية ممكنة بأي ثمن؟» يمكن أن نسأل سؤالاً أذكى:
كيف نطعم البشر مباشرة، نقلل الهدر، نقلل زراعة الأعلاف للحيوانات، ونستخدم أقل الأدوات ضرراً عندما نحتاج لمكافحة الآفات؟
هذا السؤال لا يبيع مبيداً ولا يبيع لحماً. لكنه أقرب بكثير إلى نظام غذائي يستحق أن نسميه مستداماً.
اقرأ أيضاً
المراجع الأساسية: تقرير الأمم المتحدة A/HRC/34/48، منظمة الأغذية والزراعة FAO، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP.









