
الحيوانات في السيرك كانت لعقود جزءًا مألوفًا من العروض الترفيهية: فيلة تقف على أرجلها الخلفية، نمور تقفز عبر الحلقات، دببة تؤدي حركات غير طبيعية وقرود ترتدي الملابس.
لكن خلف العرض القصير أمام الجمهور توجد حياة كاملة من النقل والحبس والتدريب والعيش في بيئة بعيدة جدًا عن البيئة الطبيعية لهذه الحيوانات.
ومع تزايد المعرفة حول احتياجات الحيوانات البرية، تغيّر موقف الكثير من الدول والجمهور. خلال السنوات الأخيرة حظرت دول عديدة استخدام الحيوانات البرية في السيرك، بينما أثبتت عروض عالمية ناجحة أن السيرك يمكن أن يكون ممتعًا ومبهرًا من دون استغلال الحيوانات.
الحيوانات في السيرك: ما الذي يحدث خلف الكواليس؟
الحيوانات البرية مثل الفيلة والنمور والأسود والدببة تمتلك احتياجات سلوكية واجتماعية معقدة. حتى الحيوان الذي وُلد في الأسر أو اعتاد على البشر لا يصبح حيوانًا مستأنسًا بالمعنى البيولوجي.
وترى جهات بيطرية متخصصة، منها Federation of Veterinarians of Europe وBritish Veterinary Association، أن بيئة السيرك المتنقل لا تستطيع عادة توفير المساحة والبيئة والإثراء والسلوك الاجتماعي الطبيعي الذي تحتاجه الحيوانات البرية.
العروض والحركات غير الطبيعية
ركوب الدراجة أو الوقوف على الرأس أو التوازن على كرة أو القفز من خلال حلقة ليست سلوكيات طبيعية يقوم بها الفيل أو الدب أو النمر في حياته الطبيعية.
الحيوانات تستطيع التعلم بالتأكيد، لكن السؤال الأهم ليس إن كانت قادرة على تعلم الحركة، بل لماذا نطلب من حيوان بري أن يقضي حياته في التدريب والسفر والحبس كي يؤدي حركة لا علاقة لها بسلوكه الطبيعي من أجل الترفيه؟



مخاوف حول تدريب حيوانات السيرك

وثقت تحقيقات لمنظمات حماية الحيوان على مدى سنوات حالات استخدمت فيها وسائل تدريب قاسية مع بعض حيوانات السيرك. لكن المشكلة لا تتوقف فقط عند طريقة التدريب.
حتى عندما لا يكون هناك ضرب أو إساءة مباشرة، تبقى هناك أسئلة أساسية حول قدرة السيرك المتنقل على تلبية الاحتياجات الطبيعية للحيوان: المساحة، الحركة، العلاقات الاجتماعية، البحث عن الطعام، الراحة، البيئة المناسبة وإمكانية الابتعاد عن الجمهور متى أراد.
وتشير مراجعات علمية حول رفاه الحيوانات البرية في السيرك إلى أن تقييد السلوك الطبيعي، وقلة الحركة، والنقل المتكرر والعزلة أو التجميع الاجتماعي غير المناسب يمكن أن تسبب ضغطًا ومشكلات في الرفاه لدى الحيوانات.






الحبس والنقل المستمر

السيرك المتنقل ينتقل من مدينة إلى أخرى، وهذا يعني أن الحيوانات قد تقضي فترات متكررة داخل مركبات أو حظائر مؤقتة صُممت أساسًا لتكون قابلة للنقل.
وهنا تظهر مشكلة أساسية: احتياجات حيوان مثل الفيل أو النمر لا تتغير لأنه يعيش في سيرك. الحيوان ما زال يحتاج إلى الحركة والمساحة والسلوك الاجتماعي المناسب والراحة والتحفيز البيئي.
وتشير British Veterinary Association إلى أن طبيعة السيرك المتنقل تفرض قيودًا على حجم المرافق والمساحة والإثراء البيئي وتنظيم الحرارة والضوضاء، كما أن النقل المتكرر قد يؤثر على النظام الطبيعي للحيوان وسلوكه وغذائه.



هل تشكل حيوانات السيرك خطرًا على الجمهور؟
الحيوانات البرية ليست حيوانات مستأنسة حتى لو عاشت سنوات بين البشر. وقد شهد تاريخ السيرك حوادث هروب وإصابات للمدربين والجمهور.
لكن القضية ليست أن الحيوانات “شرسة” بطبيعتها. الأهم أن وضع حيوان بري كبير وقوي في بيئة محدودة، ونقله باستمرار، ثم مطالبته بأداء عروض أمام الجمهور، يمكن أن يخلق مخاطر لا توجد أصلًا عندما يُترك الحيوان بعيدًا عن هذا النوع من الاستغلال.
خبر جيد: العالم يتغير لصالح الحيوانات
منذ عام 2016 حدث تقدم كبير.
البرتغال: أقرّت قانونًا يمنع استخدام الحيوانات البرية في السيرك، مع فترة انتقالية لإنهاء الاستخدام القائم وإعادة توطين الحيوانات في أماكن مناسبة.
إسبانيا: ينص قانون حماية ورفاه الحيوان الصادر عام 2023 على منع استخدام أنواع الحيوانات البرية في عروض السيرك.
إنجلترا: أصبح استخدام الحيوانات البرية في السيرك المتنقل ممنوعًا منذ يناير/كانون الثاني 2020.
اسكتلندا وويلز: لديهما أيضًا تشريعات تمنع استخدام الحيوانات البرية في السيرك المتنقل.
فرنسا: بدأت بالفعل مرحلة إنهاء استخدام الحيوانات البرية في السيرك المتنقل. مُنع اقتناء وتكاثر حيوانات برية جديدة لهذا الغرض، ويصبح الحظر الكامل على الاحتفاظ بها ونقلها واستخدامها في العروض المتنقلة نافذًا في ديسمبر/كانون الأول 2028.
وتشمل قائمة الدول التي حظرت أو قيّدت استخدام الحيوانات البرية في السيرك أيضًا النمسا وبلجيكا وهولندا ورومانيا والبرتغال وإسبانيا وعددًا متزايدًا من الدول حول العالم.
حتى أشهر سيرك في العالم عاد من دون حيوانات
واحدة من أهم الإشارات على هذا التغيير جاءت من Ringling Bros. and Barnum & Bailey، أحد أشهر أسماء السيرك في التاريخ.
بعد توقفه لعدة سنوات، عاد العرض في 2023 بصيغة جديدة تعتمد على البهلوانيين وفناني الأداء والدراجات والاستعراضات البشرية، من دون عروض الحيوانات.
كما أن Cirque du Soleil بنى نجاحًا عالميًا منذ عقود على الإبداع البشري والألعاب البهلوانية والموسيقى والتقنيات المسرحية بدل استخدام الحيوانات الحقيقية.
وهذا يثبت شيئًا بسيطًا: إنهاء استغلال الحيوانات لا يعني نهاية السيرك، بل يمكن أن يعني بداية سيرك أكثر إبداعًا.
فريق حياة نباتية ضد استغلال الحيوانات في السيرك
مشاركة فريق حياة نباتية في مظاهرة ضد استغلال الحيوانات في السيرك في برلين


عروض مثل Cirque du Soleil وغيرها أثبتت أن الجمهور لا يحتاج إلى رؤية حيوان محبوس يؤدي حركات غريبة كي يستمتع بالسيرك. الإنسان قادر على خلق عروض مدهشة من خلال الأكروبات والموسيقى والرقص والإضاءة والتكنولوجيا والفن.



أسئلة شائعة عن الحيوانات في السيرك
هل تتعرض الحيوانات في السيرك للتعذيب؟
تم توثيق إساءة ومعاملة قاسية للحيوانات في صناعة السيرك عبر السنوات. والمشكلة لا تتوقف عند الضرب أو الإساءة المباشرة: حبس الحيوانات البرية ونقلها باستمرار وإجبارها على العيش في بيئة مصممة للعرض أمام الجمهور يحرمها من كثير من المساحة والسلوك والبيئة التي تحتاجها بطبيعتها.
لماذا يتم منع الحيوانات في السيرك؟
أهم الأسباب هي مخاوف رفاه الحيوان وصعوبة تلبية الاحتياجات الطبيعية للحيوانات البرية داخل منشآت متنقلة، إضافة إلى الاعتراض الأخلاقي على استخدام الحيوان للترفيه عندما توجد بدائل لا تعتمد عليه.
ما الدول التي منعت الحيوانات في السيرك؟
تختلف القوانين من دولة لأخرى. بعض الدول تمنع جميع الحيوانات، بينما تمنع دول أخرى الحيوانات البرية فقط. من الدول التي تطبق حظرًا عامًا أو واسعًا على الحيوانات البرية في السيرك: البرتغال وإسبانيا والنمسا وبلجيكا وهولندا ورومانيا وإنجلترا واسكتلندا وويلز، إضافة إلى دول أخرى في أوروبا وخارجها.
هل جميع الحيوانات ممنوعة في السيرك؟
لا. كثير من القوانين تميز بين الحيوانات البرية والحيوانات المستأنسة. لذلك قد يكون استخدام الفيلة أو الأسود أو النمور ممنوعًا في بلد ما بينما تسمح القوانين باستخدام بعض الحيوانات المستأنسة. ولهذا يجب النظر إلى قانون كل دولة بشكل منفصل.
هل يمكن أن يكون السيرك ناجحًا من دون حيوانات؟
نعم. Cirque du Soleil من أشهر الأمثلة العالمية، كما عاد Ringling Bros. and Barnum & Bailey بعروض جديدة من دون الحيوانات. تعتمد هذه العروض على مهارات البشر والأكروبات والموسيقى والمؤثرات البصرية والتكنولوجيا.
هل الحيوان المولود في السيرك يصبح مستأنسًا؟
لا. الاعتياد على البشر ليس هو الاستئناس. الاستئناس عملية تحدث عبر أجيال كثيرة من الانتخاب والتغيرات الوراثية والسلوكية. لذلك يبقى النمر أو الفيل حيوانًا بريًا حتى لو وُلد في الأسر.
ماذا يمكنك أن تفعل؟
أبسط خطوة هي عدم شراء تذكرة لعرض يستخدم الحيوانات البرية.
اختر السيرك والعروض التي تعتمد على مهارات البشر والفن والتكنولوجيا، وشارك المعلومات مع الآخرين، خصوصًا مع الأطفال، بطريقة تساعدهم على رؤية الحيوانات ككائنات لها احتياجاتها وحياتها الخاصة وليست أدوات للترفيه.
السيرك يستطيع الاستمرار. المتعة تستطيع الاستمرار. لكن الحيوانات لا يجب أن تدفع الثمن.
المصادر
- Federation of Veterinarians of Europe (FVE) – موقف الأطباء البيطريين الأوروبيين من استخدام الحيوانات البرية في السيرك
- British Veterinary Association (BVA) – رفاه الحيوانات البرية في السيرك المتنقل
- RSPCA – حياة الحيوانات البرية في السيرك وتأثيرها على رفاه الحيوان
- RSPCA Science – دراسات ومراجعات علمية حول رفاه الحيوانات البرية في الأسر والسيرك
- Wild Animals in Circuses Act 2019 – القانون البريطاني الخاص بالحيوانات البرية في السيرك
- Diário da República – القانون البرتغالي رقم 20/2019 الخاص بالحيوانات المستخدمة في السيرك
- القانون الإسباني 7/2023 لحماية حقوق ورفاه الحيوان وحظر استخدام الحيوانات البرية في عروض السيرك
- Légifrance – التشريع الفرنسي المتعلق بإنهاء استخدام الحيوانات البرية في عروض السيرك المتنقل
- FOUR PAWS – قائمة الدول التي حظرت أو قيّدت استخدام الحيوانات في السيرك









